AST logo (Oct 2013)

 

إسكندریة التسامح بین الماضی والحاضر

ما یحتاج إلیه العالم الیوم أكثر من أی شیء هو التسامح.  لقد أحرز العلماء تقدماً هائلاً فی شتى مجالات العلوم والتكنولوجیا مما قرب المسافات بین الشعوب وأتاح فرص غیر مسبوقة لتبادل المعرفة والتقدم الاقتصادی.  إلا أن البشریة تجتاز حالیاً فترة من التوتر والاضطراب مصحوبة بالفقر والمشاكل الاقتصادیة فی عدة مناطق حول العالم.  من أهم الأسباب التی أدت للوضع الراهن فی نظرنا هو عدم التسامح أو بتعبیر المفكر الأمریكی صموئیل هنینجتون صراع الحضارات.

ما هو التسامح؟  التسامح هو العیش السلمی مع الآخر و لاسیما مع من یختلفون عنا.  من طبیعة البشر الشك فی الآخر خاصة إن اختلف فی العرق أو الفكر وقد یتحول الشك لرفض وكراهیة دون وعی أو أسباب حقیقیة.   لقد أصبح العالم قریة صغیرة نتیجة ثورة المعلومات والاتصالات فازداد الاحتكاك بین الشعوب وصارت أغلب المجتمعات متعددة العرقیات والعقائد.  من هنا أصبح التسامح بین سكان الكرة الأرضیة الواحدة ضرورة ملحة لتجنب العصبیة والعنف والتخلف.

إن الاختلاف بین الناس أمراً طبیعیاً یعود لاختلاف المؤثرات الأسریة والثقافیة والخصائص الشخصیة التی میز الخالق كل إنسان بها.  فحتى بین أبناء الأسرة الواحدة نرى اختلافات ملفتة فی الشخصیة والمظهر والإمكانیات.  فمن الأحرى أن نجد تباین واضح بین أبناء العرقیات المختلقة الذین نشئوا فی بلدان كل منها تمیز بتاریخه الخاص وحضارته الفریدة.  فكیف نتوقع أن یكون الآخرین مثلنا؟!  ألا یكون العالم مكاناً عقیماً إذا كانت فیه الزهور كلها لوناً وشكلاً واحدا والناس متشابهین فی الفكر والعادات؟!

الآخر لن یصیر مثلنا یوماً فعلینا أن نقبله كما هو.  لو أننا حاولنا تغییره قهراً لوجدنا أن النتیجة الحتمیة ستكون النفاق أو التمرد أی أن الآخر سیتظاهر وكأنه قبل التغییر أو سیصاب بالغضب ویلجأ للعنف دفاعاً عن حقوقه.  إجبار الآخر على اعتناق أفكارنا بمثابة تعدیاً خطیراً على الحریة التی منحها الله عز وجل لكل إنسان لاعتناق ما یرید الشخص نفسه اعتناقه.   وغالباً لن یكون الإنسان الذی یشعر بالظلم إنساناً مبدعاً ومنتجاً بل ناقماً ویائساً ومن ثم نجد أن عدم التسامح یؤدی إلى التوتر والغضب والفشل.  لا عجب أن المجتمعات التی رفضت التسامح ومارست التعصب تنهار سریعاً مثل ألمانیا تحت النظام النازی والاتحاد السوفیتی على سبیل المثال ولا الحصر.  على نقیض ذلك نجد أن المجتمعات التی تحترم حقوق الإنسان تزدهر وتتقدم هذا لأن الناس الذین یعیشون فی هذه المجتمعات لا یخافون من البحث فی الأفكار الجدیدة التی قد تقود لنجاحات لهم وللمجتمع. فمیزة التعددیة والحریة والانفتاح تكمن فی إتاحة الفرص لتبادل الأفكار و الإبداع والتقدم فی جو من الاحترام وبعید عن التحزب والحقد.  التسامح لا یعنی أننا نقبل أفكار الآخر لكنه یعنی قبوله هو كإنسان له نفس حریات أی إنسان آخر بما فی ذلك حریة اعتناق ما یرید اعتناقه دون المساس بحقوق الآخرین.

الإسكندریة القدیمة:  منارة التسامح

 

فی عام ۳۳۲ ق. م. توج الإسكندر ملكاً على مصر بعد الذهاب لمعبد أمون بواحة سیوة لاستشارة كهنة هذا الإله المصری فی الأمر وقد رحب به الشعب كمحرر من طغیان الحكم الفارسی.  أمر الإسكندر ببناء مدینة الإسكندریة لتكون منارة للحضارة الإغریقیة ومع ذلك فأنه احترم الشعب المصری ومعتقداته الدینیة وأراد هو وخلفاؤه من البطالمة دمج الحضارة المصریة والحضارة الإغریقیة.  فبنى البطالمة معابد ضخمة لآلهة المصریین وأسسوا مكتبة الإسكندریة لتجمع حكمة كل الشعوب أی كان مصدرها.  والتسامح امتد أیضاً للجالیة الیهودیة الكبیرة التی كانت تقطن الإسكندریة فسمح لهم ببناء دور العبادة وترجمة التوراة من اللغة العبریة للغة الیونانیة.

أدى هذا التسامح بین المصریین والیونانیین والیهود إلىازدهار علمی واقتصادی لمدة ۳۰۰ سنة!  فجاء العلماء من أرجاء العالم للدراسة أو التدریس فی المكتبة والبعض توصل لاكتشافات تاریخیة فی الریاضة والجبر والمجالات العلمیة المختلفة.  فی هذا العصر بنی فنار الإسكندریة والذی فاق ارتفاعه مبانی المسكونة بأسرها عدا هرم خوفو.  وفی هذا العصر أیضاً تم نقش حجر رشید وكتابة تاریخ مصر القدیمة بقلم الكاتب Manetho فصارت الإسكندریة المدینة الأولى فی عالم البحر الأبیض وانتعشت هی وكل مصر علمیاً واقتصادیا وكان من أهم أسباب هذه النهضة التسامح والحوار بین الحضارات التی التقت على أرضها.

وعلى نقیض هذا نجد أن فی نفس العصر حكام سوریا الیونانیون لم یتبعوا دائماً سیاسة التسامح التی اتبعها حكام مصر.  ففی عام ۱۹۸ ق. م. احتلوا أرض فلسطین التی كانت تحت حكم البطالمة فی مصر وبعد ذلك بفترة قصیرة تولى حكم سوریا وفلسطین الملك السوری انطیخوس الرابع (۱۷٥-۱٦٤ ق م) الذی أراد أن یفرض الثقافة الإغریقیة على سكان فلسطین بالقوة فحرق التوراة وحول هیكل أورشلیم لعبادة الأصنام.  فقامت ثورة ضد حكمه واجبر على الانسحاب من فلسطین بعد هزیمته.  ففی الوقت الذی كانت فیه مصر مزدهرة علمیاَ واقتصادیاً كانت جارتها فلسطین تعانی من القهر والظلم والعنف.  فمن المؤكد أن التعصب یصیب الشعوب بأضرار بالغة ویزرع الحقد والكراهیة فیها على مدى أجیال.

ماذا ینبغی أن نفعل الیوم؟

مسئولیتنا الآن أفراداً كنا أم قیادات أن نزرع بذور التسامح فی كل مكان قبل فوات الأوان.  فلو تغلب التعصب على التسامح سیزداد العنف والتخلف فی جیلنا وربما لأجیال قادمة.

ما نحتاج إلیه الآن هو ترسیخ ثقافة التسامح والسلام فی مجتمعاتنا وقد وضعت كلیة اللاهوت الأسقفیة المعروفة أیضاً باسم Alexandria School of Theology  هذا الهدف نصب أعینها.  هذا لأننا نتذكر أن أول كلیة لاهوت فی العالم المسیحی تأسست فی الإسكندریة فی القرن الثانی المیلادی لتعلیم الإیمان لمن طلب معرفته ولتدریب القیادات.  ومع أن عصر البطالمة المتسامح كان قد انتهى وكانت مصر قد سقطت تحت حكم الرومان إلا أن المناخ المصری والسكندری سمح بدخول المسیحیة وتأسیس تلك الكلیة المشهورة تاریخیاً.  وكانت رسالتها السلام حسب قول سیدها “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنیكم، أحسنوا إلى مبغضیكم وصلوا لأجل الذین یسیئون إلیكم ویطردونكم” والتزمت بهذه الرسالة حتى أثناء الاضطهاد الرومانی.

كما تسعى الكلیة لترسیخ ثقافة التسامح بین طلابها وفی المجتمع ویقیننا أن هذه الثقافة یجب أن تزرع فی الأطفال قبل الكبار.  ومن أركان ثقافة التسامح هذه المبادئ التی نرید أن نعیشها ونعلمها:

  1. عدم الافتراض أننا قد وصلنا للحق كله ورفض إمكانیة النمو فی المعرفة.   نشر القدیس أغسطینس فی نهایة حیاته فی القرن الخامس المیلادی تصحیحاً لكل ما رآه خطأً فی كتبه المبكرة.   یعلمنا نهج هذا القائد العظیم أن التواضع والانفتاح من أهم عناصر التسامح.

  1. احترام الآخرین حتى فی غیابهم لأننا إذا تظاهرنا بالتسامح فی حضورهم فقط سنكون منافقین ونهایة هذا التسامح الهش هو الزوال.

  1. عدم التعمیم وزرع الشك والخوف تجاه الآخرین فمثلاً القول “أنهم دائما یعادونا” غالباً لا یصح ولا یشجع على التفاهم والتسامح بل یغذی التعصب والعقلیة التی ترى الحیاة كسلسلة من المؤامرات.

  1. الإصغاء للآخرین لكی نفهم ما یقولون ولماذا یقولونه.  لكل إنسان الحق فی قبول أو رفض أی فكرة بعد التحلیل الدقیق والتفكیر العمیق.  إذا رفضنا أی فكرة مطروحة من شخص ما علینا ألا نفترض أن كل أفكاره مغلوطة والعكس صحیح أی أن فكرة مقبولة من مصدر ما لا یعنی أن كل أفكار هذا المصدر موثوق منها.  لو أننا رفضنا فكرة معینة علینا ألا نرفض صاحبها كإنسان مثلنا له الحق فی اعتناق ما یروق له.

  1. تقدیم أفكارنا للآخرین بكل صبر واحترام مع الوضع فی الاعتبار أنهم یحتاجون للوقت لاستیعابها الكامل.  لو رفضوا حجتنا علینا ألا نفسر ذلك كإهانة شخصیة بل نرحب بحریتهم الفكریة الممنوحة لهم من الله عز وجل.   إن كنا صائبین فی رأی ما فإن الزمن سیظهر ذلك آجلاً أم عاجلاً!

على كل بیت وكل مدرس وكل قائد أن یبذل أكبر مجهود فی ترسیخ هذه المبادئ بالقول والفعل.  دعونا نتعلم من أیام الإسكندریة الأولى ونزرع معاً شجرة أمل لمستقبل أفضل یعم فیه التسامح والسلام والرفاهیة.  نحن فی كلیة اللاهوت الأسقفیة مستعدون للتعاون مع كل من یشاركنا هذا الحلم.

لمزید من المعلومات قم بزیارة الموقع الخاص بكلیة اللاهوت الأسقفیة   www.alexandriaschooloftheology.com

 

 

 

 

 

 

 

 


Explore our educational ministries